الجمعة، 8 سبتمبر 2017

تابع الملك الكامل

إنجازاته:-

استغل الكامل فترة الانتظار الطويلة هذه بتحصين معسكره الجديد. ولما طال الانتظار على الصليبيين، ولم تأتِ الحملة المنتظرة قرروا الزحف نحو القاهرة، فاستولوا على فارسكور في جمادى الأولى سنة 618هـ/1221م، وتابعوا طريقهم جنوباً، غير أنهم غفلوا أن وقت فيضان النيل قريب، فما إن حلَّ الفيضان في جمادى الآخرة [618هـ]/آب1221م، حتى صار من المتعذر عليهم عبور بحر أشموم، وكانت قوات الكامل قد حاصرتهم من الخلف، قاطعة عليهم طريق الرجعة إلى دمياط، فحوصروا بالماء من كل جانب، وتبددت آمالهم، فما كان منهم إلا أن طلبوا الاستسلام من دون قيد أو شرط على أن يسـلموا دمياط، ويرحلوا عن مصر، ووافق الكامل، ووقع الصلــح بينهما في 19 رجب618هـ/1221م وتسلم الكامل دمياط، وعقد هدنة مع الصليبيين مدتها ثماني ســنين، وكان أخــواه المعظــم عيسى والأشــرف موسـى قد وصلا لنجدتــه في 3 رجب618هـ/1221م، فشهدا عقد الصلح والهدنة.
وعاد المعظم إلى دمشق، وأقام الأشرف بمصر عند أخيه الكامل، وسرعان ما انفرط عقد التحالف بين الأخوة وقد زال الخطر، فتوجس المعظم من تحالف أخويه ضده، فأسرع إلى التحالف مع خصمهما السلطان جلال الدين الخوارزمي، فرد عليه الكامل بالتحالف مع الامبراطور فريدريك الثاني، طالباً منه القدوم إلى عكا، ليشغل أخاه المعظم به، واعداً إياه بتسليمه بيت المقدس وبعض البلاد التي فتحها صلاح الدين.
واهتبل فريدريك هذه الفرصة التي قد تحسن صورته فيأوربا ـ وهو الامبراطور المحروم من البابا لتقاعسه عن الذهاب إلى الشرق على رأس حملة صليبية كما وعد مراراً ـــ فوصل إلى عكا في 5 شوال 625هـ/1228م، وكان المعظم قد توفي في أول ذي الحجة سنة 624هـ/1227موولى ابنه الناصر داود، فشعر الكامل بحرج موقفه من قدوم الامبراطور وقد زالت أسباب قدومه، غير أنه رأى أن لا بد من إتمام ما اتفق عليه خوفاً من قدوم حملة صليبية جديدة، وخاصة أن هدنته مع الصليبيين قد شارفت على الانتهاء، فتم الاتفاق على أن يسلم الكامل بيت المقدس للامبراطور من دون قراه، وأن يبقى سوره خراباً، ويبقى الحرم الشريف بما حواه من الصخرة المقدسة والمسجد الأقصى بأيدي المسلمين، ويتعهد الامبراطور لقاء ذلك بمحالفة الكامل ضد أعدائه ولو كانوا من الصليبيين، وعقدت هدنة بينهما مدتها عشر سنوات، وقد أُبرم هذا الصلح في يافا في 22 ربيع الآخر سـنة 626هـ/1229م وأثار هذا الاتفاق سخط المسلمين على الكامل، ولم يلتفتوا إلى ما أبداه من حجج.
وفيما كان الامبراطور يدخل القدس ألقى الكامل الحصار على دمشق، فتسلمها في أول شعبان 626هـ/1229ممخرجاً الناصر داود منها، ثم سلّم دمشق إلى أخيه الأشرف، وأخذ منه حران والرها وبلاد الشرق التي يتولاها.
وأمضى الكامل السنوات التالية وقد هدأ باله من جهة الصليبيين يتوسع في الشرق، فاستولى على آمد سنة 629هـ/1232م، مما أدى إلى وقوع نزاع بينه وبين سلاجقة الروم امتد حتى سنة 633هـ/1236م.
وكان الأشرف قد طلب من الكامل بلدة الرقة على الفرات، فامتنع الكامل من إعطائها له، فوقعت بين الأخوين جفوة، كادت توقع الحرب بينهما، ولم تنته إلا بوفاة الأشرف في دمشق في 4 محرم سنة 635هـ/1237م فتولاها بعهد منه أخوه الصالح إسماعيل، إلا أن الكامل كانت عينه على دمشق، فزحف نحوها، حيث استولى عليها في 9 جمادى الأولى سنة 635هـ/1237م.
وهكذا استطاع الكامل أخيراً أن يوحّد بلاد الشام ومصر مرة ثالثة بعد عمه صلاح الدين وأبيه العادل، غير أن الموت عاجله، ولما يمضِ على إقامته في دمشق سوى شهرين ونصف، حيث دفن بقلعتها في اليوم التالي، ثم بنيت له تربة مجاورة لجامع دمشق، نقل إليها بعد سنتين من وفاته.
ومع ما قد يقال عنه فقد كان ذكياً مهيباً، فطناً، محباً للعلم، مقرّباً للعلماء، لايكاد يخلو مجلسه منهم، وكان يلقي عليهم المشكلات من المسائل طالباً منهم أجوبة عنها، وقد بنى في القاهرة بين القصرين داراً للحديث هي دار الحديث الكاملية، ولا يُنسى بناؤه مدينة المنصورة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق